القرطبي
202
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
معدومة كان محالا ، لان الاحداث لا يتأتى إلا من حي عالم قادر مريد ، وما ليس بموجود لا يصح وصفه بذلك ، وإن كانت موجودة فوجودها يغنى عن إحداث أنفسها . وأيضا فلو جاز ما قالوه لجاز أن يحدث البناء نفسه ، وكذلك النجارة والنسج ، وذلك محال ، وما أدى إلى المحال محال . ثم أن الله تعالى لم يقتصر بها في وحدانيته على مجرد الاخبار حتى قرن ذلك بالنظر والاعتبار في آي من القرآن ، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم : " قل انظروا ماذا في السماوات والأرض ( 1 ) " والخطاب للكفار ، لقوله تعالى : " وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون " ، وقال : " أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض ( 2 ) " يعني بالملكوت الآيات . وقال : " وفي أنفسكم أفلا تبصرون ( 3 ) " . يقول : أو لم ينظروا في ذلك نظر تفكر وتدبر حتى يستدلوا بكونها محلا للحوادث والتغييرات على أنها محدثات ، وأن المحدث لا يستغنى عن صانع يصنعه ، وأن ذلك الصانع حكيم عالم قدير مريد سميع بصير متكلم ، لأنه لو لم يكن بهذه الصفات لكان الانسان أكمل منه وذلك محال . وقال تعالى : " ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين ( 4 ) " يعني آدم عليه السلام ، " ثم جعلناه " أي جعلنا نسله وذريته " نطفة في قرار مكين " إلى قوله : " تبعثون " . فالانسان إذا تفكر بهذا التنبيه بما جعل له من العقل في نفسه رآها مدبرة وعلى أحوال شتى مصرفة . كان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم لحما وعظما ، فيعلم أنه لم ينقل نفسه من حال النقص إلى حال الكمال ، لأنه لا يقدر على أن يحدث لنفسه في الحال الأفضل التي هي كمال عقله وبلوغ أشده عضوا من الأعضاء ، ولا يمكنه أن يزيد في جوارحه جارحة ، فيدله ذلك على أنه في حال نقصه وأوان ضعفه عن فعل ذلك أعجز . وقد يرى نفسه شابا ثم كهلا ثم شيخا وهو لم ينقل نفسه من حال الشباب والقوة إلى حال الشيخوخة والهرم ، ولا اختاره لنفسه ولا في وسعه أن يزايل حال المشيب ويراجع قوة الشباب ، فيعلم بذلك أنه ليس هو الذي فعل تلك الأفعال بنفسه ، وأن له صانعا صنعه وناقلا نقله من حال إلى حال ، ولولا ذلك لم تتبدل أحواله بلا ناقل ولا مدبر . وقال بعض الحكماء : إن كل شئ في العالم الكبير له نظير العالم الصغير ، الذي هو بدن الانسان ، ولذلك قال تعالى : " لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم " وقال : " وفي أنفسكم أفلا
--> ( 1 ) راجع ج 8 ص 386 . ( 2 ) ج 7 ص 330 . ( 3 ) ج 17 ص 40 . ( 4 ) ج 12 ص 109 .